اسماعيل بن محمد القونوي
118
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( فيكون اللام للجنس ) أي للجنس من حيث هو هو إذ المعنى أن جنس الذكر خير من جنس الأنثى فهذان الجنسان ليسا سيين « 1 » فاتضح كون اللام للجنس إذ لم يقصد خصوص ذكر وأنثى بل الجنس بدون إشارة إلى فرد كقولك الرجل خير من المرأة قوله وليس الذكر والأنثى سيين إشارة إلى أن التشبيه ليس لإلحاق الناقص بالكامل وألا ينبغي أن يقال وليس الأنثى كالذكر بل للتشابه والمراد نفي المساواة وهذا القدر من البيان لا يفي في تحقيق المقام إذ الكلام ظاهر في التشبيه ومثل هذا إرجاعه إلى التشابه يحتاج إلى جعل ما هو مشبه به مشبها كما أشار إليه المص في قوله تعالى : فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] الآية حيث قال وحق الكلام أفمن لا يخلق كمن يخلق لكنه عكس تنبيها على أنهم بالإشراك به جعلوه تعالى من جنس المخلوقات العجزة شبيها بها انتهى . فجاز جعل كل منهما مشبها ومشبها به فرجع التشبيه إلى التشابه فكان حق الكلام هنا وليس الأنثى كالذكر لكنه عكس تنبيها على أن بعض أفراد النساء لكمالها جعل جنس الأنثى بالنسبة إليه مشبها بها ومعلوم أن جنس الذكر مشبه به فجاز جعل كل منهما مشبها ومشبها به فصح التشابه وعن قال طيب اللّه ثراه ( وليس الذكر والأنثى سيين ) تنبيها على أن الكلام ليس لإلحاق الناقص بالكامل بل للتشابه « 2 » . فعلى هذا يكون الظاهر أن يقال وليس الأنثى كالذكر لأن في هذا التشبيه المنفي دلالة على تعظيم الأنثى على الذكر وليس جنس الأنثى معظما على جنس الذكر بل الأمر على العكس وأما إذا جعل هذا من كلام اللّه تعالى فالتشبيه ظاهر لأن اللام حينئذ يكون للعهد ولا شك أن الأنثى المعهودة خير من الذكر المعهود أورد هذا السؤال بعض الفضلاء من شراح الكشاف ثم أجاب عنه قال فإن قلت قد ظهر أن قوله : لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى [ آل عمران : 36 ] بيان لقوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ [ آل عمران : 36 ] وفي التشبيه دلالة على تعظيم الأنثى على الذكر وهذا إنما يصح على قراءة وضعت على الغيبة لأنه من كلام اللّه تعالى وأما على قراءة المتكلم فلا لأنه حينئذ من كلام أم مريم ومرادها تعظيم الذكر على الأنثى لأن الذكر يصح استمراره على خدمت بيت المقدس بخلاف الأنثى لمانع الحيض والحق الرتيبة والتهمة وسائر العوارض فتقول بل عظمت موهبة اللّه تعالى على مطلوبها أي وليس الذكر الذي هو مطلوبي كالأنثى التي هي موهبة اللّه تعالى علما منها بأن ما يفعله الرب خير مما يريده العبد أقول في هذا الجواب نظر أما أولا فلأن اللام في الذكر والأنثى على هذا يكون للعهد وهو خلاف ما عليه المفسرون من أن اللام فيهما حينئذ للجنس وأما ثانيا فلأنه ينافي
--> ( 1 ) وفي نسخة سيان فح يكون في ليس ضمير الشأن . ( 2 ) وقيل إذا دخل نفي بلا أو بغيرها أو ما في معناه على التشبيه مصرح بأركانها أو ببعضها احتمل معنيين تفضيل المشبه بأن يكون المعنى بأنه لا يشبه هكذا لأن وجه الشبه فيه أولى وأقوى كقولك ليس زيد كحاتم في الجود ويحتمل عكسه بأن يكون المعنى بأنه لا يشبه به لبعد المسافة بينهما ثم قال وفي شرح المقامات وغيرها أن العرب لم تستعمل النفي بلا على هذا الوجه إلا للمعنى الثاني وإن استعماله لتفضيل المشبه من كلام المولدين انتهى فالصواب في مثل هذا حمل الكلام على التشابه بنوع من التأويل كما سمعته من المص في سورة النحل ومثل ما ذكرنا هنا .